
عدد المشاهدات:
208,890
بقلم: كمال الخنسا

قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، نموذجاً صارخاً لسياسي يختار المكابرة العلنية بديلاً عن التراجع، في مشهد تكرر للعام الثاني على التوالي حين غادرت وفود عديدة القاعة فور بدء كلمته. ولم يتوانَ نتنياهو عن مخاطبة المنسحبين مباشرة بوصفهم “جبناء أخلاقياً”، بل طالب من بقي في القاعة بمغادرتها إن كان يشاركهم الشعور ذاته، في رسالة تحدٍّ سافرة لا تشبه عادة خطاب رئيس حكومة يبحث عن دعم دولي متجدد، بل أقرب إلى تصريحات سياسي يعلم أن فرص كسب مزيد من التأييد الدولي باتت شبه معدومة، فاختار بدلاً منها تكريس صورة “الصامد الوحيد” أمام العالم بأسره.
الهروب إلى الأمام: من الدبلوماسية إلى المواجهة الشاملة
لم يعُد خطاب نتنياهو محاولة لتجسير الفجوات مع المجتمع الدولي أو إعادة بناء التحالفات التقليدية، بل تحول إلى منصة للمواجهة المباشرة مع المؤسسات الأممية والقانونية. إن وصف الانسحاب الدبلوماسي الجماعي بـ “الجبن الأخلاقي” يعكس استراتيجية تعتمد على تقويض شرعية المنظومة الدولية برمتها، وتحويل الرفض العالمي لسياساته إلى حجة لمزيد من الانغلاق. هكذا، يحلُّ الهجوم بدلاً من الدفاع، وتُستبدل اللغة الدبلوماسية الدقيقة بنبرة صدامية تأطّر الصراع في صيغة ثنائية حادة: “نحن في مواجهة الجميع”.
الخطاب الموجه للخلف: القاعدة الانتخابية والتماسك الداخلي
وراء هذا التحدي العلني على الشاشة الدولية، يقبع حساب سياسي داخلي دقيق. يعلم نتنياهو تماماً أن كراسي القاعة الفارغة في نيويورك تعني تآكلاً حاداً في الشرعية الدولية لإسرائيل، لكنه يراهن على أن هذه اللقطات تحديداً هي ما تحتاجه قاعدته الانتخابية اليمينية الصلبة. إن تقديم نفسه كـ “البطل الذي يقف بمفرده ليواجه العالم لحماية الأمة” يعزز سردية الابتزاز السياسي والتهديد الوجودي التي يُتقن استغلالها للحفاظ علىائتلافه الحكومي. وفي ظل الانقسامات الداخلية الحادة والملاحقات القضائية التي تلاحقه، يصبح هذا الصمود المتخيل أداة لتأجيل الاستحقاقات السياسية والهروب من المساءلة.
العزلة الاستراتيجية وتبعاتها المستقبلية
إن الخطاب الصدامي قد يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى على الساحة الداخلية، لكنه يرسم ملامح عزلة استراتيجية غير مسبوقة لإسرائيل على المدى البعيد. فاختيار التحدي بدلاً من الاستيعاب لا يكتفي بفقدان التعاطف الدولي، بل يؤدي إلى عمق الشرخ مع التحالفات الغربية، وتراجع التأثير في أروقة صنع القرار الدولي، وتراكم ضغوط المقاطعة والملاحقات القانونية.
لقد كشفت القاعة الفارغة في نيويورك حدة الأزمة، لكن رد نتنياهو المندفع أثبت أن خياراته باتت محصورة بين المكابرة أو السقوط. وفي لعبه لهذه الورقة الأخيرة، يغامر نتنياهو برهن مستقبل دبلوماسية بلاده بالكامل في سبيل بقائه السياسي الخالص.




