حارة صيدا: عندما أسقط “أبو علي” جدار المكتب ليصبح “جسر كرامة” لـ 40 ألف نازح
موقع سما برس الإخباري

عدد المشاهدات:
208,585
خاص – سما برس
في زمن السلم، قد تكون التواقيع والقرارات خلف المكاتب المكيفة هي معيار الإنجاز. لكن، حين تشرع أبواب الجحيم وتشتعل الساحات بالأزمات والحروب، تسقط العناوين البراقة لتكشف عن المعادن الحقيقية للرجال. وفي أقسى اختبار عرفته المنطقة، لم يبحث مصطفى الزين، رئيس بلدية حارة صيدا، عن مأوى سياسي أو وظيفي، بل بحث عن كرامة الإنسان.

إنه “أبو علي”.. الرجل الذي رفض أن تُكتب قصته بحبر المكاتب البارد، واختار أن يخطّ ملحمةً من الوفاء الإنساني والمسؤولية الوطنية في قلب الميدان.
ولادة مدينة من رحم الوجع
حين بدأت أمواج النزوح تتقاطر، لم يكن الأمر مجرد أرقام إحصائية. فجأة، أعلنت حارة صيدا عن ولادة مدينة كاملة من رحم المعاناة؛ أكثر من 40 ألف نفس تبحث عن ملاذ آمن، حاملةً قصصاً من الخوف والفقدان. في هذه اللحظة الحاسمة، اتخذ مصطفى الزين قراره: “لا مكان للرسميات”.
ألقى “أبو علي” بلقبه جانباً، ونزل إلى الأرض، ليتحول إلى نبض يومي على مدار 24 ساعة بين مراكز الإيواء. لم يتعامل مع العائلات كـ “نازحين”، بل احتضنهم كأهل، يبلسم الجراح المفتوحة، ويستقرئ في عيون الأطفال معنى الأمان الذي فُرض عليهم فقده.
معركة الكرامة ضد العجز
عندما ضاقت المدارس بما رحبت، وأوصدت الأبواب في وجوه المكروبين، لم يستسلم الزين لواقع العجز المقيت. بادر، ابتكر، وتجاوز البيروقراطية، فاتحاً أبواب “مجمع الكرامة”. لم يكن الهدف مجرد توفير سقف يقي من برد الشارع، بل كان صوناً لكرامة الإنسان، وضماناً ألا يهان سائل أو يحرم محتاج.
معجزة التكافل: يداً بيد
في مواجهة شح الموارد وتعاظم التحديات، لم يقف “أبو علي” وحيداً. صنع نموذجاً حقيقياً وملهماً للتكافل الاجتماعي؛ شبك سواعده مع سواعد مطبخ أم البنين، والجمعيات الأهلية، ومجلس الجنوب، وأهالي حارة صيدا الشرفاء الذين أثبتوا أن النخوة أصالة متجذرة فيهم. معاً، جعلوا المساعدات تصل “مرفوعة الرأس”، وبكل عزّة، كواجب وطني وإنساني لا كمنّة أو صدقة.
ليس بطلاً خارقاً.. بل قائد ثابت
لم يَدَّعِ مصطفى الزين يوماً أنه يملك عصا سحرية لإنهاء كل المعاناة، لكنه أثبت ما هو أعظم بكثير: رفضاً مطلقاً للتخلي عن ناسه وأهله في قلب العاصفة.
بقي ثابتاً، شامخاً في الميدان، يطلق وعده الصادق الذي كان، وما زال، بلسماً يروي ظمأ كل خائف ويطمئن كل قلب مضطرب:
“نحن هنا.. ولن نترككم وحدكم، ولو كلفنا ما كلفنا!”
واليوم، نقف إجلالاً لاسم حُفر في تاريخ حارة صيدا، وقلوب أهلها، وكل من وفد إليها طلباً للأمان.. مصطفى الزين، رئيس البلدية الذي اختار أن يكون في الخطوط الأمامية، مدافعاً شرساً عن كرامة الإنسان في زمنٍ تُنتهك فيه الكرامات.
رئيس تحرير موقع سما برس الإخباري
كمال الخنسا



