
عدد المشاهدات:
209,205
لم تكن الجغرافيا اليمنية يوماً مضماراً للنزهات العسكرية، ولا ساحةً قابلة للترويض عبر الاستراتيجيات الفوقية. وما يُشهَد اليوم في المشهد اليمني ليس مجرد جولة جديدة من صراع إقليمي مفتوح، بل هو الإعلان الرسمي عن سقوط الرهانات الكبرى أمام صخرة الواقع: واقعٌ يضع القوة الإقليمية أمام “وحل” الميدان القاتل، و”تصحر” الخيارات السياسية والاستراتيجية.
1. مستنقع الجغرافيا وخدعة القوة المفرطة
لقد توهّم البعض أن التفوق الجوي والترسانات العسكرية الحديثة قادرة على حسم معركة متجذرة في طبيعة قاسية وتركيبة مجتمعية شديدة التعقيد. لكن النتيجة جاءت صادمة؛ إذ تحول اليمن إلى “وحل استراتيجي” يجذب إليه أطراف الصراع ليغرقهم في حرب استنزاف بلا نهاية.
معادلة الردع غير المتماثل: استطاعت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) تحويل نقاط ضعفها إلى أوراق قوة، وصاغت عبر الصواريخ والمسيرات وقرصنة البحر الأحمر معادلة ردع فرضت نفسها على القوى الإقليمية والدولية على حد سواء.
استنزاف بلا أفق: أصبح البقاء في الميدان يعني استنزافاً مستمراً للموارد والسمعة السياسية، دون تحقيق هدف حاسم يُذكر.
2. “التصحر” الاستراتيجي وانكفاء المشروع
على الضفة الأخرى، تجلى “التصحر” في أبشع صوره: تجريفٌ كامل للخيارات البديلة.
تصحر الأدوات والشركاء: انهارت الرهانات على القوى المحلية والشرعيات المتعددة التي أثبتت عجزها عن إدارة المشهد، مما ترك الرياض أمام بيئة سياسية جافة ومجرفة، لا تمنحها حليفاً موثوقاً ولا مخرجاً آمناً.
الانكفاء القسري: أمام التكلفة الباهظة للنزاع والمخاطر المباشرة على المشاريع التنموية والاقتصادية الضخمة داخل المملكة، وجد القرار السعودي نفسه مضطراً للانتقال من طموح “الحسم والإسقاط” إلى البحث عن “إدارة الأضرار” والهروب نحو التهدئة والتوافقات الدبلوماسية.
3. الحقيقة العارية: لا غالب في أتون الرمال
إن القراءة الجريئة للمشهد تؤكد أن كلاً من الطرفين يقف على شفا أزمة وجودية:
الحوثيون قد يمسكون بزمام القوة العسكرية، لكنهم يحكمون جغرافية خاوية واقتصاداً مدمراً وشعباً منهكاً، مما يجعل سلطتهم محاصرة بأزمات المعيشة والانفجار الداخلي المؤجل.
التحالف والقوى الإقليمية أدركا -وإن متأخراً- أن الاستمرار في هذه المواجهة هو استنزافٌ محض، وأن الهروب من “وحل اليمن” يتطلب التنازل عن سقف التوقعات العالية.
خاتمة:
إن السعي نحو الخروج من “وحل اليمن” بفرص سياسية “متصحرة” يفرض على الجميع الإقرار بحقيقة واحدة: القتال في اليمن لا ينتج نصرًا، بل يوسع دائرة المستنقع. والحل الوحيد المتبقي ليس في استمرار المواجهة الصفرية، بل في صياغة واقع سياسي جديد يحترم معطيات الميدان ويضع حداً لاستنزاف الجميع.



